فصل: وَمَعَ وَاحِدٍ مِنَ الذُّكُورِ *** في كلِّ حَالٍ لَيْسَ بالمَخظُورِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البهجة في شرح التحفة ***


وَإنْ يَكُنْ في مالِهِ قَدْ أَدْخَلَهْ *** مِنْ غَيْرِ إشْهَادِ بِذَاكَ أَعْمَلَهْ

‏(‏وإن يكن‏)‏ المال العين ‏(‏في ماله قد أدخله‏)‏ بأن لم يوجد بعينه في تركة الأب ولا أشهد بأنه أدخله في ذمته كما قال‏:‏ ‏(‏من غير إشهاد بذاك أعمله‏.‏

مَعْ عِلْمِ أَصْلهِ فَهَاهُنَا يَجِبْ *** رَجُوعُ وَارِثٍ بِإنْفَاقٍ طُلِبْ

مع علم أصله‏)‏ أي علم أصل مال الابن ببينة شهدت أنه كان ورث من أمه مائة مثلاً أو تصدق عليه بها ولم توجد بعينها في تركة الأب، ولا أشهد أنه أدخلها في ذمته فالفرق بين هذا الوجه والذي قبله يليه هو الإشهاد وعدمه والمال عين على كل حال ‏(‏فههنا‏)‏ أي في عدم الإشهاد ‏(‏يجب رجوع وارث بإنفاق طلب‏)‏ صفة لإنفاق أي طلب من الابن، ولو قدم الناظم قوله‏:‏ وإن يكن عيناً ورسماً أصدرا إلى قوله‏:‏ طلب‏.‏ إثر قوله‏:‏ وقيد الإنفاق بالكتاب، لكان أحسن لأن المال العين فيه ثلاثة أقسام‏:‏ إما أن يوجد في التركة بعينه فلا حساب إلا إذا أوصى وقيد في الكتاب، وإما أن لا يوجد في التركة فإن أشهد أنه في ذمته فلا حساب أيضاً كالأول، وإن لم يشهد حوسب‏.‏

تنبيه‏:‏

لم يذكر الناظم حكم ما إذا لم يوجد العرض في تركة الأب ولم يشهد بعمارة ذمته بثمنه، والحكم أن الابن يحاسب بالنفقة بالأحرى مما إذا وجد قاله ‏(‏م‏)‏‏:‏ ثم أشار إلى الوجه الرابع وهو ما إذا لم يدخل مال الابن بيد الأب فقال‏:‏

وَغَيْرُ مَقْبُوضٍ عَلَى الإطْلاَقِ *** كالْعَرْضِ في الرُّجُوعِ باتِّفَاقِ

‏(‏وغير مقبوض‏)‏ من مال الابن ‏(‏على الإطلاق‏)‏ عيناً كان أو عرضاً ‏(‏كالعرض في الرجوع‏)‏ إلا أن يقول‏:‏ لا تحاسبوا وترك الكتب فلا رجوع ‏(‏باتفاق‏)‏‏.‏ ثم أشار إلى حكم موت الابن قبل الأب وطلب الأب محاسبته فقال‏:‏

وَمَوْتُ الابْنِ حُكْمُهُ كَمَوْتِ الأَبِ *** وَقيلَ في يُسْرِ أبٍ حَلْفٌ وَجَبْ

‏(‏وموت الابن‏)‏ في حياة أبيه إذا أراد الرجوع عليه ‏(‏حكمه كموت الأب‏)‏ في جميع التفصيل المتقدم من كون المال عيناً أو عرضاً الخ‏.‏ ولا يمين على الأب إذا أراد الورثة إحلافه أنه أنفق ليرجع لأنهم قائمون مقام الابن ولا يرثون عنه إلا ما كان له وليس للابن أن يحلف أباه‏.‏ ‏(‏وقيل‏)‏ وهو لمالك في سماع ابن القاسم يفرق ففي عدم الأب وأمانته لا يمين عليه و‏(‏في يسر أب‏)‏ وعدم أمانته ‏(‏حلف وجب‏)‏ عليه، قال في المقرب‏:‏ سئل مالك عن الرجل يموت ولده وقد كان للولد مال فتقوم جدته أو أمه تطلب ميراثها فيقول الأب‏:‏ قد أنفقته عليه أترى عليه يميناً‏؟‏ فقال‏:‏ إن كان رجلاً مقلاً مأموناً فلا أرى ذلك عليه، وإن كان موسراً غير مأمون أرى أن يحلف لأن جل الأباء ينفقون على أبنائهم وإن كان لهم مال اه‏.‏ وقوله‏:‏ لأن جل الآباء الخ‏.‏ يقتضي أن الغالب هو إنفاقهم بعدم قصد الرجوع، ولذ قال السيوري كما مر في النفقات ينظر للعادة‏.‏

فرع‏:‏ سئل ابن لب عن الذي يلتزم لزوجته النفقة على أولادها على أن يستغل ما يكون لأولادها من المال مدة الزوجية‏؟‏ فقال‏:‏ الأصل في المنع لوجوه لا تخفى إلا أن المتأخرين من الموثقين جرت عادتهم بالتخفيف في ذلك إذا كان فائد المال المستغل يسيراً بحيث أن الغرض المقصود إنما هو التبرع بالنفقة، ويكون فائد المال لا يبلغ إلا بعض النفقة‏.‏

فصل في الإقرار

وهو لغة الاعتراف‏.‏ قال في الذخيرة‏:‏ الإقرار والدعوى والشهادة كلها إخبارات، والفرق بينها أن الإخبار إن كان يقتصر حكمه على قائله فهو الإقرار، وإن لم يقتصر فإما أن لا يكون للمخبر فيه نفع فهو الشهادة أو يكون وهو الدعوى اه‏.‏ وقال ابن عرفة‏:‏ هو خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو بلفظ نائبه الخ‏.‏ فقوله‏:‏ خبر أخرج به الإنشاآت كبعت وطلقت، وقوله‏:‏ يوجب حكم صدقه على قائله أخرج به الرواية والشهادة لأن القائل إذا قال‏:‏ الصلاة واجبة مثلاً فذلك خبر أوجب حكم صدقه على مخبره وغيره، وإذا شهد على رجل بحق فإنه خبر أوجب حكم صدقه على غيره، وإذا قال‏:‏ في ذمتي دينار فهو خبر أوجب حكم صدقه على المخبر وحده وهو معنى قوله‏:‏ فقط‏.‏ وأخرج به أيضاً قول القائل‏:‏ زيد زان لأنه وإن أوجب حكماً على قائله فقط وهو حد القذف، لكن ذلك ليس هو ما اقتضاه الصدق لأن الذي اقتضاه الصدق هو جلد غيره مائة أو رجمه إن كان محصناً، وزاد قوله‏:‏ أو بلفظ نائبه ليدخل قول الرجل لآخر أقر عني بألف فإنه إقرار لا وكالة يحتاج فيها إلى إقرار الوكيل كما مّر في الوكالة، وليدخل إقرار الوكيل عن موكله‏.‏

وَمَالِكٌ لأَمْرِهِ أقَرَّ في *** صِحَّتِهِ لأَجْنَبِيَ اقتُفِي

‏(‏ومالك لأمره‏)‏ أي بالغ رشيد غير مكره لأن المكره لا يملك أمره ولا يلزمه إقرار كما لا يلزم المحجور من صبي وسفيه وعبد وسكران ومرتد ‏(‏خ‏)‏‏:‏ يؤاخذ المكلف بلا حجر بإقراره لأهل لم يكذبه الخ‏.‏ لأن فائدة الحجر على من ذكر هي رد تصرفاتهم التي من جملتها الإقرار بالدين إلا أن يجيزه السيد من العبد والسكران ومحجور عليه فيما يتعلق بالأموال والمعاوضات بخلاف الطلاق والعتق والجناية فإنها تلزمه كما قال‏:‏

لا يلزم السكران إقرار عقود *** بل ما جنى عتق طلاق وحدود

والمرتد محجور عليه بعد إيقافه للاستتابة ولا إشكال في ذلك إن قتل، وأما إن رجع إلى الإسلام فهو مؤاخذ بإقراره، وكذا المفلس فهو مؤاخذ بإقراره، وإنما الخلاف هل يحاصص المقر له الغرماء أم لا ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وقبل إقراره بالمجلس إن ثبت دينه بإقرار لا ببينة وهو في ذمته الخ‏.‏ ودخل في كلامه الزوجة لأنها لا حجر عليها في الإقرار ولو في زائد الثلث، إذ ليس هو من التبرع، وكذا المريض فإن إقراره ماض لمن لا يتهم عليه ولو في الزائد على الثلث، وقول ‏(‏خ‏)‏ لم يكذبه يعني فإن كذبه بطل سواء كذبه قبل الإقرار أو بعده ولا يقبل رجوعه لتصديقه إلا بإقرار ثان، ونظيره من قال لامرأة‏:‏ تزوجتك فأنكرت ثم قالت‏:‏ نعم فأنكر فإن ذلك ليس بإقرار لأن من شرط صحة الإقرار أن يتفق المقر والمقر له في تصديق كل واحد منهما صاحبه في وقت واحد، وهذا إذا لم يكن هناك عذر وإلاَّ فرجوع المقر له لتصديق المقر بعد تكذيبه مقبول مثل أن يقر أحد الورثة أن ما تركه أبوه ميراث بينهم على ما عهد في الشريعة ثم جاءه شهود أخبروه أن أباه أشهدهم أنه تصدق عليه في صغره بهذه الدار وحازها له، فإنه إذا رجع عن إقراره فإن التركة كلها موروثة لا هذه الدار المشهود له بها دون الورثة‏.‏ واعتذر بأخبار البينة وأنه لم يكن عالماً بذلك حين أقر بناه على العادة فإنه تسمع دعواه وعذره ولا يكون إقراره السابق مكذباً للبينة قادحاً فيها قاله القرافي في فروقه‏.‏ قال أبو العباس الملوي‏:‏ اعتمد ما للقرافي غير واحد من الحفاظ المتأخرين وتلقوه بالقبول منهم‏:‏ أبو سالم إبراهيم اليزناسي اه‏.‏ وبه تعلم ضعف ما في ‏(‏خ‏)‏ عن سحنون من أن إقراره الأول مكذب للبينة فلا ينتفع بها‏.‏ نقله في باب الإقرار والقسمة بعد ان نقل عن المازري أنه أفتى بمثل ما للقرافي، وبالجملة فالمعتمد ما للقرافي وبه كنت أفتيت‏.‏ انظر شرحنا للشامل، ويؤيده ما مر أول الاستحقاق‏.‏

ثم اعلم إن المالك لأمره تارة يقر في صحته وتارة في مرضه، وفي كل منهما إما أن يكون المقر له وارثاً أو أجنبياً فأخبر هنا أن المالك لأمره إذا ‏(‏أقرَّ في صحته لأجنبي اقتفي‏)‏ إقراره واتبع ولزم فقوله‏:‏ اقتفى خبر عن قوله ومالك لأمره، والجملة بعده صفة له ومفهوم لأجنبي هو قوله‏:‏

وَمَا لِوَارِثٍ ففيهِ اخْتُلِفَا *** وَمُنْفِذٌ له لِتُهمْةٍ نَفَى

‏(‏وما‏)‏ أقر به في صحته أيضاً ‏(‏لوارث ففيه اختلفا‏)‏ فمنهم من أبطله للتهمة وهم المدنيون في روايتهم عن مالك، ومنهم من أجازه وهم المصريون في روايتهم عن الإمام أيضاً وهو المشهور وعليه عول الناظم فقال‏:‏ ‏(‏ومنفذ له‏)‏ أي لإقراره ‏(‏لتهمة نفى‏)‏ عنه لكونه في حال الصحة فلا تلحقه فيه تهمة ولا توليج‏.‏

وَرَأْس مَتروكٍ المُقِرِّ أَلزَمَا *** وَهْوَ بهِ فِي فَلَسٍ كالغُرَمَ

‏(‏و‏)‏ إذا لم يلحقه ذلك ف ‏(‏رأس متروك المقر‏)‏ بنصب رأس مفعول بقوله‏:‏ ‏(‏ألزما‏)‏ بالبناء للفاعل وفاعله ضمير المنفذ وهم المصريون ‏(‏و‏)‏ إذا كان يؤخذ من رأس ماله ومتروكه فإن وفى به فلا كلام، وإن لم يوف به لاستغراق الديون تركته ف ‏(‏هو‏)‏ أي المقر له يحاصص ‏(‏به في فلس كالغرما‏)‏ يحاصص بعضهم بعضاً، ولكن إنما ذلك في الدين الحادث بعد الإقرار، وأما القديم قبل الإقرار فمقدم اتفاقاً كما في ‏(‏ح‏)‏ ثم إن ما درج عليه الناظم من نفوذ إقرار الصحيح لوارثه هو المشهور‏.‏ قال المتيطي‏:‏ وعليه العمل، واقتصر عليه ابن حارث، وكذا صاحب الكافي حيث قال‏:‏ وكل من أقر لوارث أو غير وارث في صحته بشيء من المال أو الدين أو البراءة أو قبض أثمان المبيعات فإقراره عليه جائز لا تلحقه فيه تهمة ولا توليج، والأجنبي والوارث في ذلك سواء، وكذا القريب والبعيد والعدو والصديق في الإقرار في الصحة سواء اه‏.‏ ثم محل الخلاف في إقرار الصحيح للوارث إن كان لا يعرف وجه ما أقر به ولا سببه، وأما إن عرف ذلك ككون أم المقر له ماتت وتركت مالاً وأقر أبوه له به، أو أقر لزوجته بقدر كالىء صداقها، أو أقر لابنته بعدد يعلم منه أنه كان يلابسها ويبيع لها ما اكتسبته بيدها، فهو جائز نافذ باتفاق المصريين والمدنيين، وإقرار المريض للوارث مع علم السبب كذلك يجوز اتفاقاً أيضاً كما يأتي في قوله‏:‏ وحينما الإقرار فيه للولد الخ‏.‏ وهذا كله إذا كان المقر له ممن يشبه أن يملك مثل المقَّر به لكونه معروفاً بالتكسب والإرث من أمه ونحو ذلك فإن كان ممن لا يشبه أن يكون تكسب أو ورث مثل هذا المال المقّر به بل ما أقرّ به أكثر مما يشبه تكسبه أو إرثه أو كان لا يعرف بتكسب ولا إرث أصلاً فلا يعمل بذلك الإقرار‏.‏ قال أبو الفضل البرزلي في مسائل البيوع من ديوانه ما نصه‏:‏ إقرار الأم بدين للابنة في صحتها نافذاً لا أن تكون الابنة غير معروفة بتكسب ولا فائد من ميراث أو غيره فإقرارها حينئذ بما لا يشبه أن يكون لها محض توليج اه‏.‏

قلت‏:‏ ولذلك قالوا‏:‏ إذا ادعت المرأة من متاع البيت الذي شأنه أن يكون للنساء ما لا يشبه أن تملكه لضعف حالها وقلة صداقها وعدم معرفتها بالتكسب لا يكون لها منه إلا قدر صداقها كما مر، فكذلك هذا لا يكون له منه إلا قدر تكسبه أو إرثه، وظاهر النظم أن إقراره نافذ ولو لم يتقدم من المقر له طلب في صحة المقر، وهو كذلك على المشهور‏.‏ ولكن في نظم العمل أن المقر له لا ينتفع بالإقرار إلا مع قيام البينة أنه كان يطلب المقر بما أقر به في حياته وصحته ونصه‏:‏

والسر في الإقرار للوارث ما *** ينفع دون طلب قد علما

ومحل الخلاف أيضاً في الإقرار بالدين ونحوه مما لا يعرف أصل ملكه للمقر يعني بعينه وأما إقرار الرجل في صحته أو مرضه بما يعرف ملكه له من شيء بعينه أنه لفلان وفلان وارث أو غير وارث فإنه يجري مجرى الهبة والصدقة ويحل محلها إن حاز ذلك المقر له به في صحة المقر جاز له، وإلاَّ لم يجز بلا خلاف قاله ابن رشد ونقله ‏(‏ح‏)‏ وغيره‏.‏ وفي نوازل الهبات من المعيار ما نصه‏:‏ قال ابن دحون لابن زرب‏:‏ فلو أن رجلاً أقر بدار لابن له صغير فقال‏:‏ يحل هذا الإقرار محل الهبة إن كانت الدار معروفة للأب وسكنه فإن خرج منها وحازها لابنه بعد الإقرار وإلاَّ بطل، وإن كانت غير دار سكناه نفذ إقراره يعني لأن الأب يحوز لابنه الصغير غير دار السكنى كما قال ‏(‏خ‏)‏ إلا لمحجوره إذ أشهد وصرف الغلة له ولم تكن دار سكناه الخ‏.‏ قال ابن زرب‏:‏ وإن لم يعلم في دار السكنى أو في غيرها أنها ملك للمقر جاز وإن لم يحزها اه‏.‏ وبالجملة؛ فما لم يعلم أصله للمقر وصح فيه إقرار الصحيح لوارثه وما علم أصله له من المعينات من أصول وأثاث وحيوان أن يجري إقراره فيه مجرى الهبة إن حيز في صحته صح وإلا فلا‏.‏ ويعرف أصله للمقر بأن كان يحوزه ويتصرف فيه ستة أشهر أو عشرة كما للوانشريسي إثر جواب ابن رشد، وأما إن أقر بأملاك لابنته عند عقد نكاحها فإنها نافذة ولو لو تحز كما تقدم في النكاح‏.‏

تنبيه‏:‏

وعلى المقر له بالدين في الصحة اليمين أنه ترتب له ذلك المقر له كما في المعيار عن ابن لب، ونقله شارح العمل في البيت المتقدم ونحوه في ‏(‏ح‏)‏ ونظم العمل المطلق خلافاً لما في التبصرة في الباب التاسع والعشرين من القسم الثاني‏.‏ ثم أشار إلى إقرار المريض بقسميه لأنه إما لأجنبي أو قريب فقال‏:‏

وَإنْ تَكُنْ لأجْنَبِيَ في المَرَضْ *** غَيْرِ صَدِيقٍ فَهْوَ نَافِذُ الغَرَضْ

‏(‏وإن يكن‏)‏ الإقرار ‏(‏لأجنبي في المرض‏)‏ المخوف ‏(‏غير صديق‏)‏ صفة لأجنبي ‏(‏فهو‏)‏ أي الإقرار ‏(‏نافذ الغرض‏)‏ معمول به ورث كلالة أم لا‏.‏ ومفهوم لأجنبي أنه إذا كان في المرض لقريب أو لصديق ملاطف فهو قوله‏:‏

وَلِصَدِيقٍ أوْ قَرِيبٍ لا يَرِثْ *** يَبْطُلُ مِمن بِكلالةٍ وَرِثْ

‏(‏ولصديق‏)‏ ملاطف ‏(‏أو قريب لا يرث‏)‏ كالخال والعمة والخالة ‏(‏يبطل‏)‏ الإقرار حيث وقع ‏(‏ممن بكلالة ورث‏)‏‏.‏ ومفهومه أنه إذا ورث بغير كلالة فإن إقراره صحيح وهو كذلك على المشهور كما لابن رشد، ونقله ابن سلمون وغيره‏.‏ وهذا حيث لا دين محيط عليه وإلاَّ فلا يقبل إقراره لقريب ولا لملاطف، والمراد بالكلالة هنا الفريضة التي لا ولد فيها ذكراً أو أنثى وإن سفل بأن كان فيها أبوان أو زوجة أو عصبة، وأما الكلالة في باب الميراث فهي الفريضة التي لا ولد فيها ولا والد وفيها يقول القائل‏:‏

ويسألونك عن الكلالة *** هي انقطاع النسل لا محالة

ولا والد يبقى ولا مولود *** فانقطع الأبناء والجدود

وقِيل بلْ يَمْضِي بكلِّ حَالٍ *** وَعِنْدَ ما يُؤْخَذُ بالإِبْطَالِ

‏(‏وقيل بل يمضي‏)‏ إقرار المريض لمن ذكر ‏(‏بكل حال‏)‏ ورث كلالة أو لا‏.‏ والقولان قائمان من المدونة ومشهورهما ما تقدم‏.‏ ‏(‏وعند ما يؤخذ‏)‏ بالقول ‏(‏بالإبطال‏)‏ لكونه ورث كلالة وهو القول الأول‏.‏

قيل بإطْلاقٍ ولابنِ القَاسِمِ*** يمْضِي مِنَ الثُّلْثِ بِحُكْمٍ جازِمِ

‏(‏قيل‏)‏ يبطل ‏(‏بالإطلاق‏)‏ ولا يكون للمقر له شيء لا من ثلث ولا رأس مال وهو المعتمد ‏(‏و‏)‏ قيل وهو ‏(‏لابن القاسم يمضي‏)‏ إقراره ‏(‏من الثلث‏)‏ إن حمله أو ما حمله منه ‏(‏بحكم جازم‏)‏ وعليه فتوى ابن سراج في رجل كفل يتيماً فأشهد له في صحته بعشرة دنانير وفي مرضه بخمسين ديناراً عن أجرة له فمات ونازعه الورثة‏؟‏ فأجاب‏:‏ أما العشرة فتجب له، وأما الخمسون فإن كانت قدر أجرته الواجبة له فتجب من رأس ماله وإن كانت أكثر مما يجب له في إجارته كان قدر الإجارة من رأس ماله والزائد من ثلثه اه‏.‏

وبيانه أن الكافل يلاطف مكفوله، لكن ما أقر له به في الصحة يمضي له على ما مر من رواية المصريين، وما أقر به له في المرض يمضي حيث كان للإقرار سبب اتفاقاً كما هنا لأنه علم أنه كان يؤاجره، نعم قوله الزائد على قدر الإجارة يكون في الثلث إنما يتمشى على قول ابن القاسم وهو ضعيف‏.‏ ثم أشار لمفهوم قوله‏:‏ لا يرث الخ‏.‏ وهو إقراره لولد أو زوجة أو غيرهما كأخ مع ظهور سبب الإقرار أو عدم ظهوره فقال‏:‏

وَحَيْثُما الإقْرَارُ فيه لِلْوَلَدْ *** مَعْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ فيهِ مِنْ مَرَدْ

‏(‏وحيثما الإقرار فيه‏)‏ أي المرض ‏(‏للولد مع‏)‏ وجود ‏(‏غيره‏)‏ من الورثة بنين أيضاً أو غيرهم ‏(‏فليس فيه‏)‏ أي في ذلك الإقرار ‏(‏من مرد‏)‏ بل هو صحيح لازم‏.‏

مَعَ ظُهُورِ سَبَبِ الإقْرَارِ *** فإنْ يَكُنْ ذَاكَ عن اخْتِيَارِ

‏(‏مع ظهور سبب الإقرار‏)‏ اتفاقاً كأن تشهد بينة بأن الأب قد قبض للولد أموالاً ورثها من أمه، أو باع له أسباباً وقبض أثمانها، أو أوصى له بوصية وقبضها أبوه، وإن لم يبينوا قدر المقبوض لأن ظهور السبب ينفي التهمة بشرط أن يكون المقر له ممن يشبه أن يملك مثل المال المقرّ به، وإلاَّ فلا كما مر قريباً في الإقرار في الصحة‏.‏ ‏(‏ فإن يكن ذاك‏)‏ الإقرار ‏(‏عن اختيار‏)‏ بأن لم يظهر سبب صحته‏.‏

فَذُو عُقوقٍ وَانْحِرَافٍ يُحْكَمُ *** له به وَذُو البُرُورِ يُحْرَمُ

‏(‏ف‏)‏ ولد ‏(‏ذو عقوق‏)‏ لأبيه ‏(‏وانحراف‏)‏ عن طاعته ‏(‏يحكم له به‏)‏ لأنه لا يتهم على أن يعطيه ويحرم البار ‏(‏و‏)‏ الولد ‏(‏ذو البرور يحرم‏)‏ من إقرار الأب له للتهمة، وظاهره أنه يفصل فيه التفصيل المذكور سواء أقرّ له وحده أو مع أجنبي وهو كذلك فنصيب الولد يفصل فيه بين ظهور السبب فيصح وبين عدمه فذو عقوق يصح أيضاً وذو برور يحرم، وما ذكره الناظم هو أحد قولين متساويين في ‏(‏خ‏)‏ حيث قال تشبيهاً في القولين‏:‏ كإقراره للولد العاق الخ‏.‏ فيستفاد من الناظم أن القول بالصحة هو الراجح، ومفهومه أنه إذا أقرّ لأحد المتساويين في العقوق أو البرور أو أقر للأقرب مع وجود الأبعد كإقراره لابنته أو لأمه مع وجود العصبة فإنه يبطل اتفاقاً فيهما ‏(‏خ‏)‏‏:‏ لا المساوي والأقرب الخ‏.‏ وأما إن أقر للأبعد مع وجود الأقرب كإقراره للعصبة مع وجود الأم أو البنت فإقراره صحيح‏.‏

وَإنْ يَكن لِزَوْجَةٍ بِهَا شُغِفْ *** فَالمَنْعُ وَالْعَكْسُ بعكْسٍ يتَّصِفْ

‏(‏وإن يكن‏)‏ إقرار المريض ‏(‏لزوجة بها شغف‏)‏ حباً فإن ظهر لإقراره سبب ككونه قبض لها مالاً أو عرف أنه باع لها أسباباً فلإقرار صحيح اتفاقاً كما مر، وكذا لو أقرّ لها بقدر كالىء صداقها لأنه لو لم يقرّ به لأخذته من تركته إذ العادة بقاؤه كما مر في النكاح عند قوله‏:‏ وأجل الكوالىء المعينة الخ‏.‏ وإن لم يظهر لإقراره لها سبب ولا كان بكالىء صداقها‏.‏ ‏(‏ فالمنع‏)‏ من صحة الإقرار لها واجب إلا أن يجيزه الورثة ‏(‏والعكس‏)‏ وهو أن لا يكون مشغوفاً بحبها بل كان يعرف ببغضها ‏(‏بعكس يتصف‏)‏ فيلزم الإقرار ويصح ورثه ولد أم لا‏.‏ انفردت بالصغير أم لا‏.‏ على المعتمد، وانظر الإقرار بالمجمل للزوجة أو غيرها في ‏(‏ح‏)‏ وما فيه من الخلاف أول باب الإقرار، وقد أفتى هو بصحته عند قوله‏:‏ كزوج علم بغضه لها فيستفاد من فتواه أن الراجح صحته‏.‏

وَإنْ جَهِلْنَا عِنْدَ ذَاكَ حَالَهْ *** فَالمَنْعُ مِمَّنْ إرْثُهُ كَلاَلَهْ

‏(‏وإن جهلنا عند ذاك‏)‏ الإقرار ‏(‏حاله‏)‏ معها من محبتها والميل إليها أو بغضه إياها فإن ورث كلالة لم يصح إقراره كما قال‏:‏

‏(‏فالمنع ممن إرثه كلالة‏)‏ وإن لم يورث كلالة بأن ورثه ابن واحد ذكر صغير أو كبير منها أو من غيرها صح إقراره كما قال‏:‏

وَمَعَ وَاحِدٍ مِنَ الذُّكُورِ *** في كلِّ حَالٍ لَيْسَ بالمَخظُورِ

‏(‏ومع واحد من الذكور في كل حال ليس بالمحظور‏)‏ وإن ورثه بنون ذكور فقط أو ذكور وإناث فالإقرار صحيح أيضاً كما قال‏:‏

1413 كَذَاكَ مَعْ تَعَدُّدٍ فِيهِمْ ذَكَرْ *** مَا مِنْهُمُ ذُو صِغَرٍ وَذُو كِبَرْ

‏(‏كذاك مع تعدد‏)‏ الأولاد حال كونهم ‏(‏فيهم ذكر‏)‏ واحد أو متعدد كانوا كلهم منها، أو بعضهم منها وبعضهم من غيرها كباراً كانوا أو صغاراً أو مختلفين كما قال‏:‏ ‏(‏ما منهم ذو صغر و‏)‏ لا ‏(‏ذو كبر‏)‏ يختص بصحة الإقرار معه بل هو صحيح لها مع وجود كل من الفريقين أو أحدهما، لكن إن كان فيهم صغار فيشترط أن يكون الصغار من غيرها فقط أو بعضهم منها وبعضهم من غيرها، أما إذا كان الصغار منها فقط ولو إناثاً وبقية الورثة كباراً منها ومن غيرها أو منها فقط، فإن الإقرار لا يصح اتفاقاً، ولذا قال الشارح‏:‏ كان حقه أن يزيد بيتاً فيقول‏:‏

إلا إذا ما كان منها الأصغر *** وكان من أم سواها الأكبر

ولو قال‏:‏ وكان من غير ومنها الأكبر وتكون الواو في قوله‏:‏ ومنها بمعنى ‏(‏أو‏)‏ لوفي بما تقدم‏.‏

وَإنْ يَكُنْ بِغَيْرِ ذَاكَ مَطْلقَا *** قِيلَ مُسَوَّغٌ وقيلَ مُتَّقى

‏(‏وإن يكن‏)‏ أي إقرار المريض للمجهول حاله معها متلبساً ‏(‏بغير ذاك‏)‏ أي بغير ما ذكر من الكلالة ومن وجود الابن أو البنتين، بل كان الإقرار لها مع وجود بنت أو بنات ‏(‏مطلقاً‏)‏ صغاراً كن من غيرها أو كباراً منها فقط أو منها ومن غيرها فقولان ‏(‏قيل‏)‏ الإقرار ‏(‏مسوغ‏)‏ لها نظراً إلى أنها أبعد من البنت ‏(‏وقيل متقى‏)‏ نظراً إلى أنها أقرب من العصبة فإن ورثه مع العصبة صغيرة أو أكثر منها لم يصح إقراره لها اتفاقاً، ولذا قال ولده‏:‏ كان حقه أن يزيد بيتاً أيضاً فيقول‏:‏

إلا إذا كن صغاراً أجمعا *** منها فحكم ذاك أن يمتنعا

والمراد بالعصبة ما عدا الابن وإلاَّ فهو ما تقدم ‏(‏خ‏)‏‏:‏ كزوج علم بغضه لها أو جهل وورثه ابن أو بنون إلا أن تنفرد بالصغير ومع الإناث والعصبة قولان الخ‏.‏ ولم أقف على من رجح واحداً منهما إلا ما يظهر من كلام الشامل من رجحان الأول، وكذا الناظم حيث صدر به هذا حكم الإقرار للولد والزوجة‏.‏

وَإنْ يَكُنْ لِوَارِثٍ غَيْرِهما *** مَعْ وَلدٍ فَفي الأَصَحِّ لَزِما

‏(‏وإن يكن‏)‏ إقرار المريض ‏(‏لوارث غيرهما‏)‏ بالجر نعت لوارث حال كون الوارث ‏(‏مع‏)‏ وجود ‏(‏ولد‏)‏ للمقر ولو أنثى كإقراره لأم مع وجود ولد أو لأخت مع وجود بنت أو بنات ‏(‏ففي الأصح‏)‏ وهو قول ابن القاسم، ورواه ابن عبد الحكم عن مالك ‏(‏لزما‏)‏ ومقابله نقله ابن سهل عن ابن زرب فيما إذا كان الولد بنتاً‏.‏

وَدونَهُ لمالِكٍ قولانِ *** بالمَنْعِ وَالجَوَازِ مَرْوِيَّانِ

‏(‏ودونه‏)‏ أي الولد أي وإقراره لوارث غيرهما دون وجود ولد له ‏(‏لمالك‏)‏ فيه ‏(‏ قولان‏)‏ أحدهما ‏(‏بالمنع و‏)‏ الآخر ب ‏(‏الجواز مرويان‏)‏ عنه، ومحلهما إن كان المقر له مساوياً كإقراره لأحد إخوته المتساويين في الدرجة أو بني عمه كذلك، أو كان أقرب كإقراره لأم مع وجود أخ أو عم والراجح منهما المنع كما تقدم في مفهوم قوله‏:‏ فذو عقوق وانحراف يحكم له به الخ‏.‏ وأما إذا أقر لوارث أبعد مع وجود الأقرب كإقراره للعصبة مع وجود أم أو أقرَّ لأخ لأب أو لأم مع وجود شقيق فإن إقراره صحيح اتفاقاً كما في ‏(‏ق‏)‏ عن ابن رشد، وعليه عول ‏(‏خ‏)‏ إذ قال‏:‏ ومريض إن ورثه ولد لأبعد الخ‏.‏ وصوابه ومريض لوارث أبعد كما لشراحه‏.‏ ثم أشار إلى إقرار الزوجة لزوجها في المرض هو كإقراره لها في التفصيل المتقدم فقال‏:‏

وَحَالة الزَّوْجَةِ والزَّوْجُ سَوا *** وَالْقَبْضُ للدَّيْنِ مع الدَّيْنِ اسْتَوَى

‏(‏وحالة‏)‏ إقرار ‏(‏الزوجة‏)‏ لزوجها ‏(‏و‏)‏ إقرار ‏(‏الزوج‏)‏ لزوجته ‏(‏سوا‏)‏ ء بفتح السين فيفصل فيه بين حبها له أو بغضها أو جهل حالها على ما مر ‏(‏و‏)‏ إقرار أحدهما للآخر ب ‏(‏القبض للدين مع‏)‏ إقراره ب ‏(‏الدين استوى‏)‏ ابن رشد‏.‏ إقرار الزوجة لزوجها في المرض كإقراره هو لها فيه، ولا فرق بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين في ذمته أو بأنه قبض ماله عليه اه‏.‏ وإطلاقه يشمل الأصدقة وغيرها، فإذا قالت في مرضها‏:‏ قبضت ديني أو مؤخر صداقي فإن عرف بغضها له صح، وكذا إن جهل وورثها ابن أو بنون إلا أن ينفرد بالصغير منها، وأما إقراره بأن كالىء صداقها باق في ذمته فهو عاطل مطلقاً وإنما يفصل في غيره كما مرّ في قوله‏:‏ وإن يكن لزوجة بها شغف الخ‏.‏ ثم أشار إلى تعدد الإقرار فقال‏:‏

وَمُشْهِدٌ في مَوْطِنَيْنِ بِعَدَدْ *** لِطَالِبٍ يُنْكِرُ أنَّه اتَّحَدْ

‏(‏ومشهد‏)‏ على نفسه ‏(‏في موطنين‏)‏ أي زمنين مثلاً ‏(‏بعدد‏)‏ واحد مثل أن يقر لرجل بمائة درهم ويشهد بذلك شاهدان، ثم يقر له في موطن آخر بمائة درهم أيضاً، ويشهد بذلك شاهدان آخران ولم يأمرهم بالكتب ولا ذكر السبب الذي من أجله ترتب عليه ذلك فالإقراران معاً ‏(‏لطالب‏)‏ واحد ‏(‏ينكر أنه‏)‏ أي المشهود به في الموطنين ‏(‏اتحد‏)‏ ويدعي أنهما مائتان وقال المطلوب‏:‏ هي مائة واحدة أشهد له بها مرتين‏.‏

لَهُمْ به قَوْلان وَالْيَمِينُ *** عَلَى كلَيْهِمَا لَهُ تَعْيينُ

‏(‏لهم به‏)‏ أي بهذا الفرع ‏(‏قولان‏)‏ لمالك فقال مرة‏:‏ القول للطالب بيمينه، وقال مرة‏:‏ القول للمطلوب بيمينه وهو معنى قوله‏:‏ ‏(‏واليمين على كليهما له تعيين‏)‏ والذي رجع إليه وهو الراجح أن القول للمطلوب، وكذا لو ادعى على رجل بمائة فأقر لربها وادعى القضاء وأقام شاهدين أنه أقر أنه قبض منه خمسين وآخرين أنه أقر أنه قبض منه خمسين فقال رب الحق هي خمسون واحدة من المائة أشهدت لك بها قوماً بعد قوم فهي خمسون واحدة إلا أن يكون أشهدهم في كتابين كما في ابن سلمون، وقولي‏:‏ ولا ذكر السبب احترازاً مما إذا ذكره فإنه إن اتحد فهي مائة واحدة، وإن تعدد ككونها من بيع والأخرى من سلف فمائتان، وقولي‏:‏ ولم يأمرهم بالكتب احترازاً مما إذا أمرهما به أولاً وثانياً فهو قوله‏:‏

ما لَمْ يَكُنْ ذاك بِرَسميْنِ ثَبَتْ *** فما ادَّعَاهُ مُشْهِدٌ لا يُلْتَفَتْ

‏(‏ما لم يكن ذاك‏)‏ الإشهاد ‏(‏برسمين ثبت‏)‏ في محل الخلاف مدة كون الإشهاد لم يثبت في رسمين بل كان في رسم واحد أو بغير رسم أصلاً أو برسمين بأمر المقر له، أما إذا كانا في رسمين بأمر المقر ‏(‏فما ادعاه مشهد‏)‏ من أنها مائة واحدة ‏(‏لا يلتفت‏)‏ إليه ويجب عليه المائتان‏.‏ ابن رشد‏:‏ لا خلاف في أنه إن كان في كتاب واحد أنه حق واحد، وكذا الإخلاف في أنه إن أشهد قوماً في كتاب ثم أشهد آخرين في كتاب آخر أنه يقضي عليه بالمائتين، وإنما مسألة الخلاف وإذا أشهد شهوداً بعد شهود بغير كتاب وبينهما مدة من الزمان، وإن كتب صاحب الحق بما شهد عليه كل جماعة كتاباً على حدة لم يخرج بذلك عن الخلاف اه‏.‏

وحاصله أن الصور الثلاث‏:‏ أن يشهد المقر جماعة بعد أخرى ولم يكتبا أصلاً أو كتبا في كتاب واحد، فالقول للمقر بيمينه أنه حق واحد على الراجح من القولين، فإن نكل حلف الطالب وأخذ المائتين‏.‏ والثانية‏:‏ أن يشهدهما المقر ويأمرهما بكتابة ما أشهدهما به فكتباه في ذكرين فيلزمه المائتان كما في النظم‏.‏ الثالثة‏:‏ أن يأمرهما بالكتابة المقر له فيقول، لكل جماعة‏:‏ اكتبا لي ما سمعتما من فلان فإن المقر لا يلزمه إلا مائة على الراجح أيضاً، وهذه هي التي أشار لها ابن رشد بقوله‏:‏ وإن كتب صاحب الحق بما أشهد عليه الخ‏.‏ ومفهوم قوله‏:‏ مشهد الخ‏.‏ أنه لو شهد اثنان أنه قبض مائة بمحضرهما يوم الأحد، وشهد آخران أنه قبضها بمحضرهما يوم الاثنين فعليه مائتان أيضاً انظر الشيخ ‏(‏م‏)‏ ولا بد‏.‏

وَمَنْ أَقَرَّ مَثَلاَ بِتِسْعَه *** وَصَحَّ أنْ دَفَعَ مِنْها السَّبْعَه

‏(‏ومن أقر‏)‏ لزيد ‏(‏مثلاً بتسعة‏)‏ دنانير ‏(‏وصح‏)‏ بإقرار زيد ‏(‏إن‏)‏ قد ‏(‏دفع‏)‏ المقر ‏(‏منها السبعة‏)‏ مثلاً‏.‏

ثُمَّ أَتَى مِنْ بَعْدِ ذا بِبَيِّنَه *** بِقَبْضِ دِينارَيْنِ منْهُ مُعْلنَه

‏(‏ثم‏)‏ لما طالبه زيد بالاثنين الباقيين ‏(‏أتى‏)‏ المقر ‏(‏من بعد ذا‏)‏ أي إقرار زيد ‏(‏ببينة‏)‏ شاهدة له ‏(‏بقبض دينارين منه معلنة‏)‏ بذلك وبرىء على زعمه، فادعى زيد المقرّ له أن الدينارين المشهود بهما داخلان في السبعة‏.‏

فالْقَوْلُ قَوْلُه إنِ الخَصْمُ ادَّعَى *** دُخولَ دينَارَيْنِ فيما انْدَفَعَا

‏(‏فالقول قوله‏)‏ أي المقر أنهما داخلان في السبعة ‏(‏إن‏)‏ بكسر الهمزة ‏(‏الخصم‏)‏ وهو زيد ‏(‏ادعى دخول دينارين فيما اندفعا‏)‏ ولا شيء عليه، وأشار به لقول ابن سلمون‏.‏ وعن ابن القاسم وأصبغ‏:‏ لو أقر لك باثني عشر ديناراً فثبت قبضك تسعة منها ببينة أو إقرار وله بينة بأداء ثلاثة، فزعمت أنها من التسعة فالقول قوله بأنها سواها وبرىء من الجميع، ونحوه في ‏(‏ح‏)‏ آخر الإقرار فانظره إن شئت، وتأمل قول ابن سلمون ببينة أو إقرار، فإن الصواب حذف قول ببينة لأنه إذا ثبت لها قبض تسعة وبينة أخرى ثلاثة بالمعاينة فيهما فإنه يبرأ اتفاقاً، وكذا لو شهدت واحدة أنه قبض منه تسعة بمحضرها ثم ثلاثة بمحضرها أيضاً‏.‏

وَبيْعُ مَن حَابَى من المُرْدُودِ *** إنْ ثَبَتَ التَّوْلِيجُ بالشُّهُودِ

‏(‏وبيع من حابى من المردود‏)‏ تقدم بيع المحاباة وتفصيله في فصل مصائلم من أحكام البيع، أنهما قولان درج الناظم هناك على أحدهما وهنا على الآخر، والمحاباة هي البيع بأقل من القيمة بكثير لقصد نفع المشتري أو بأكثر لقصد نفع البائع، فإن لم يقصد نفع من ذكر بل وقع للجهل بقدر الثمن فهو غبن، وتقدم الكلام عليه في فصله‏.‏ وأما قوله‏:‏ ‏(‏ إنْ ثبت التوليج بالشهود‏)‏ فهو بأو العاطفة على حابى أي‏:‏ وبيع من حابى أو ثبت توليجه بالشهود فهو من المردود، وهذه النسخة هي الصواب لأن التوليج والمحاباة متباينان، لأن التوليج هو العطية في صورة البيع، والمحاباة هي البيع بأقل من القيمة أو بأكثر كما مر، وأما نسخة إن ثبت الخ‏.‏ بأن الشرطية فلا تصح إلا على تأويل حابى بولج، فيكون المعنى وبيع توليج من المردود وإن ثبت التوليج بالشهود الخ‏.‏ وهي حينئذ على هذه النسخة مسألة واحدة بخلافه على النسخة الأخرى فهما مسألتان‏.‏ أما مسألة المحاباة على ما درج عليه الناظم ههنا فلا فرق فيها بين الوارث وغيره، فإذا باع من أجنبي أو ابنه أو زوجته أو أم ولد له ما يساوي مائة بعشرة ويشهد بذلك أرباب البصر ولم يخرجه من يده ولا حيز عنه حتى حصل المانع فبيعه مردود، وليس للمشتري إلا ثمنه على أحد قولين وهو ما للناظم ههنا كما مرّ والاتفاق الذي في ابن سلمون لا يتم بدليل ما تقدم في فصل أحكام البيع، وأما مسألة التوليج فلا يرد البيع فيها إلا بأحد أمرين‏.‏

إما بِالإقْرَارِ أَوْ الإشْهَادِ *** لهم بهِ في وَقْتٍ الانْعِقَادِ

‏(‏إما‏)‏ بأن يشهد الشهود ‏(‏بالإقرار‏)‏ من المشتري بعد البيع وحصول المانع للبائع من موت أو فلس أو مرض أن البيع إنما كان صورة وإنما هي عطية ‏(‏أو الإشهاد لهم‏)‏ أي للشهود أي أشهدهم المشتري والبائع ‏(‏به‏)‏ أي بالتوليج ‏(‏بوقت الانعقاد‏)‏ للبيع فيقولان لهم وقت العقد‏:‏ اشهدوا علينا بأن هذا البيع لا حقيقة له، وبمنزلة الإشهاد ما إذا حضروا معهما على وجه الاتفاق وسمعوا منهما ذلك من غير إشهادهما إياهم‏.‏ قال ابن سلمون‏:‏ وكيفية ثبوت التوليج أن يقول الشهود‏:‏ توسطنا العقد بينهما واتفقا معاً على أن ما عقداه من البيع والتصيير سمعة لا حقيقة له، أو يقولوا أقر لنا بذلك المشتري بعد البيع اه‏.‏ زاد الشارح‏:‏ أو يقولوا أشهدنا فلاناً وفلاناً على شهادتهما بأحد هذين الوجهين اه‏.‏ وما زاده إنما هو من باب النقل للشهادة فليس خارجاً عم في النظم وقولي‏:‏ وحصول المانع الخ‏.‏ احترازاً مما إذا لم يحصل للبائع مانع فإن ذلك لا يبطل بل هو للمشتري إن حازه كان وارثاً أم لا‏.‏ فإن ثبت التوليج بأحد الأمرين فلا إشكال، وإن لم يثبت بما ذكر فإن لم يثبت ميل البائع للمشتري فلا يمين والبيع صحيح‏.‏

وَمَعْ ثُبُوتِ مَيلِ بائعٍ لِمَنْ *** مِنْه اشْتَرَى يَحْلِفُ في دَفع الثَّمَنْ

‏(‏ومع ثبوت ميل بائع لمن‏)‏ وقع ‏(‏منه اشترى يحلف‏)‏ المشتري ‏(‏في دفع الثمن‏)‏ أي أنه دفعه وأنه اشترى شراء صحيحاً ويصح البيع، فإن نكل بطل البيع بمجرد نكوله لأنها يمين تهمة لا ترد، وظاهره أنه لا فرق بين وارث وغيره وهو كذلك، وما في ابن سلمون عن فقهاء قرطبة خلاف المعتمد لأن التوليج لم يثبت بأحد أمرين كما في مصطفى، وظاهره أيضاً أنه يحلف ولو عاينت البينة دفعه وهو الظاهر لأنه مع الميل قد يدفع إليه الثمن ليرده إليه وينتفي اليمين عنه، وقد عقد في لامية الزقاق للتوليج فصلاً أطال فيه، وذكرنا في حاشيتنا عليه ما يشفي الغليل إن شاء الله، فعليك به‏.‏ وانظر الكراس الحادي عشر من معاوضات المعيار في مسألة الوصايا اختلف فيها فقهاء بجاية إن أردت زيادة التوسيع في هذا المعنى‏.‏

فصل في حكم المديان

الصيغة للمبالغة، والمراد المدين‏.‏ وقسمه الناظم إلى أقسام‏:‏ أولها الغني الموسر بالدين وهو معنى قوله‏:‏

وَمَن عليه الدَّيْنُ إما مُوسِرُ *** فَمَطْلِ ظُلْمٌ ولا يُؤَخَّرُ

‏(‏ومن عليه الدين إما موسر‏)‏ في ظاهر الحال يتهم بمال أخفاه كما لابن سهل وهو يلبس الثياب الفاخرة وله خدم ولا يعلم بأصول ولا عروض ‏(‏فمطله ظلم‏)‏ لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏مطل الغني ظلم‏)‏ ‏(‏ولا يؤخر‏)‏ إن لم يعد بالقضاء ولم يسأل التأجيل لثبوت عسره بل يسجن حتى يؤدي فإن وعد بالقضاء وسأل التأجيل كاليومين والثلاثة أعطى حميلاً بالمال لأنه لما وعد بالقضاء ظهرت قدرته على المال فلم يقبل منه إلا حميل به وإلاَّ سجن، وإن سأل التأجيل لثبوت عسره فإنه يؤجل بحميل بوجهه عند ابن القاسم وهو الراجح‏.‏ وقال سحنون‏:‏ بالمال ووفق بينهما بأن قول سحنون في الملد وقول ابن القاسم في غيره، وقوله فيما يأتي والحبس للملد والمتهم الخ‏.‏ هو في ظاهر الملاء أيضاً فالأولى حذفه والاستغناء عنه بما هنا‏.‏

تنبيه‏:‏

إذا سجن ظاهر الملاء وطلب الخروج من السجن لطلب ما ينفعه بحميل بوجهه ثم يعود إليه إن عجز عن إثبات ما ينفعه، فإنه يمكن من ذلك قاله عياض وثاني الأقسام قوله‏:‏

أوْ مُعْسِرٌ قَضاؤُهُ إضْرارُ *** فَينْبَغِي في شَأْنِهِ الإنْظَارُ

‏(‏أو معسر‏)‏ لا يعرف بناض ولكن له عروض وأصول يحتاج في بيعها إلى فسحة وتوسعة فإنه يؤخر بالاجتهاد على قدر كثرة المال وقلته إذ ‏(‏قضاؤه‏)‏ أي القاضي ببيعها عليه عاجلاً من غير تأخير فيه ‏(‏إضرار‏)‏ به ‏(‏فينبغي‏)‏ أي يجب ‏(‏في شأنه الإنظار‏)‏ والتأخير بقدر قلة المال وكثرته كما يأتي في قوله‏:‏ وسلعة المديان رهناً تجعل الخ‏.‏ إذ هو من تتمة ما هنا وظاهره أنه يؤخر بدون حميل لأن الرهن كالحميل كما يأتي عن ناظم عمل فاس إذ حيث جعلت السلعة رهناً للأجل المضروب فلا سبيل لربها إلى تفويتها، وإن فعل لم يمض تفويته إياها إلا بعد أداء ما عليه، وسيأتي ما في ذلك ثم هذا القسم داخل في معلوم الملاء ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وأجل لبيع عرضه إن أعطى حميلاً بالمال‏.‏

تنبيه‏:‏

فإن ادعى رب الدين أن له مالاً ناضاً وطلب تحليفه فيجري ذلك على الاختلاف في يمين التهمة والمعمول به توجيهها كما مّر في باب اليمين، ومقابله لأبي عمر الأشبيلي أنه لا يمين عليه محتجاً بقول مالك‏:‏ جل الناس ليس لهم ناض أي‏:‏ والحمل على هذا الغالب واجب وإلى هذا الخلاف أشار ‏(‏خ‏)‏ بقوله‏:‏ ففي حلفه على عدم الناض تردد ومحله إذا لم يحقق الدعوى عليه وإلاَّ توجهت اتفاقاً، فإن نكل حلف الطالب وأجبر المطلوب على الأداء ولا يؤخر قليلاً ولا كثيراً كما في ابن سلمون، وثالث الأقسام قوله‏:‏

أوْ مُعْدِمٌ وَقَدْ أَبَانَ مَعْذِرَه *** فواجِبٌ إنظارُهُ لميْسِرَه

‏(‏أو معدم و‏)‏ الحال أنه ‏(‏قد أبان‏)‏ أي أثبت ‏(‏معذرة‏)‏ بأن شهدت بينة لا مطعن فيها بعدمه وحلف معها وأخرجها أول جلوسه عند الحاكم ‏(‏فواجب إنظاره لميسرة‏)‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة‏}‏ الآية ‏(‏البقرة‏:‏ 280‏)‏ ومفهوم قوله‏:‏ وقد أبان معذرة الخ‏.‏ إنه إذا لم يثبت عدمه أول جلوسه عند الحاكم فإنه حينئذ إما ظاهر الملاء، وقد تقدم أو مجهول الحال ويحبس لثبوت عسره إن لم يأت بحميل بوجهه كما يأتي في قوله‏:‏ وحيثما يجهل حال من طلب الخ‏:‏

تنبيه‏:‏

ظاهره أنه لا يلزم بالتكسب وهو كذلك ما لم يداينه الناس ليقضيهم من صنعته فقد قال اللخمي‏:‏ إن المفلس الصانع يداين ليعمل ويقضي من عمله، ثم عطل أجبر على العمل فإن لد استؤجر في صنعته تلك‏.‏ قال ابن عرفة‏:‏ فيلزم مثله في الزوج في النفقة إذا ترك صنعته، وأما نفقة الأولاد فلا خلاف أنه لا يجبر على الصنعة قاله البرزلي في النكاح‏.‏ ورابع الأقسام قوله‏:‏

ومَنْ عَلَى الأَمْوَالِ قد تَقَعَّدَا *** فالضَّرْبُ والسِّجْنُ عليه سَرْمَدَا

‏(‏ومن‏)‏ كان معلوم الملاء و‏(‏على الأموال قد تقعدا‏)‏ ويشمل المعسر الذي له عروض المتقدم في القسم الثاني كما مر‏.‏ قال في التوضيح‏:‏ ومثلوا معلوم الملاء بمن أخذ أموال الناس ويقعد للتجارة، ثم يدعي ذهابها ولم يثبت ما يصدقه من احتراق منزله أو سرقته أو نحوهما، ‏(‏فالضرب والسجن عليه سرمدا‏)‏ عياض‏:‏ ولا يؤخذ منه حميل لأنه ملد ظالم إلا أن يلتزم الحميل دفع المال في الحال إن عرف أنه من أهل الناض‏.‏ ابن عبد السلام‏:‏ وليس للإمام أن يبيع عروضه كما يبيعها على المفلس لأن المفلس قد ضرب على يده ومنع من ماله‏.‏

ولا الْتِفَاتَ عِنْدَ ذَا لبيِّنه *** لما ادَّعَى مِن عَدَمِ مُبيِّنه

‏(‏ولا التفات عند ذا‏)‏ أي عند تقعده على أموال الناس وادعائه العدم ‏(‏لبينة لما ادعى من عدم مبينة‏)‏ صفة لقوله لبينة، ولما ادعى متعلق به أي‏:‏ لا يلتفت للبينة الشاهدة بعدمه دون أن يشهدوا أنه احترق منزله، أو أنه ذهب ما بيده بسرقة أو غصب أو نزول الأسواق به ونحو ذلك كما للخمي ونصه‏:‏ وإن شهدت بينة بالفقر سئلت كيف علمت ذلك فإن كان من قول الغريم وشكواه ذهب ما في يدي وخسرت وما أشبه ذلك لم تكن شهادة، وإن قالوا‏:‏ كنا نرى تصرفه في بيعه وشرائه وقدر أرباحه ونزول الأسواق عليه ونفقته على عياله ونقص رأس ماله شيئاً بعد شيء كانت شهادة تامة اه‏.‏ ونحوه للمازني، ودرج عليه في الشامل فقال‏:‏ ولا تقبل بينة من علم ملاؤه إلا بذهاب ماله بأن تقول‏:‏ كنا نرى بيعه وشراءه ونفقته ونقص ماله اه‏.‏

وإنْ أَي بِضَامِنِ فبالأَدَا *** حتى يُؤَدِّي ما عليه قَعَدَا

‏(‏وإن أتى‏)‏ معلوم الملاء ‏(‏بضامن ف‏)‏ إنه يقبل منه الضامن ‏(‏بالأدا‏)‏ ء كما مّر عن عياض ‏(‏حتى يؤدي ما عليه قعدا‏)‏، وظاهره‏:‏ أن معلوم الملاء إذا أراد أن يؤدي بعض الحق وأبى ربه من قبوله إلا بأداء الجميع فإن القول لربه وهو كذلك على المعتمد ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وإن علم بالناض لم يؤخر وضرب مرة بعد مرة الخ‏.‏ والظاهر أن ظاهر الملاء إذا سجن وتخلد في السجن يجري فيه قوله فالضرب الخ‏.‏ وكذا المعسر الذي له أصول وأجل لبيعها فلم يفعل بعد السجن فإنه يضرب أيضاً إذ كل من لم يفد فيه السجن يضيق عليه بالضرب‏.‏

تنبيه‏:‏

بمنزلة معلوم الملاء من أقر بالملاء ثم ادعى العدم ففي ابن فتوح كتب الموثقين أن المدين مليء بالحق الذي ثبت عليه حسن فإن ادعى العدم لم يصدق وإن قامت له به بينة لأنه قد كذبها إلا أن تشهد بينة بعطب حل به بعد إقراره، وفي وثائق الفشتالي والمعيار‏:‏ أن عدم قبول البينة بالعدم ممن اعترف بالملاء هو المشهور المعمول به، ويسجن أبداً حتى يؤدي دينه أو تبيض عيناه ما لم تقم بينة بطروء آفة أذهبت ماله بنهب أو سرقة أو احتراق اه‏.‏ وانظر ما قدمناه في التنبيه السابع عند قوله‏:‏ والخلع سائغ الخ‏.‏ وخامس الأقسام قوله‏:‏

وَحَيْثُما يُجْهَلُ حَالُ مَنْ طُلِبْ *** وَقصَدَ اخْتبارُهُ بما يَجِبْ

‏(‏وحيثما يجهل حال من طلب‏)‏ بدين هل هو مليء أو معدم فإنه يسجن إلى ثبوت فقره ما لم يأت بحميل بوجهه فإن أتى به لم يسجن وأخر لإثبات عسره فإن أنقضى الأجل ولم يثبته أو لم يأت بحميل أول الأمر فلا بد من اختباره بالسجن والتضييق عليه كما قال‏:‏ ‏(‏وقصد اختباره بما يجب‏)‏ من السجن المذكور، ولعل له مالاً أخفاه ولكن حبسه يختلف بقلة المال وكثرته كما قال‏:‏

فَحَبْسُهُ مِقْدَارَ نِصْفِ شَهْرِ *** إنْ يَكُنْ الدَّيْنُ يَسِير القَدْرِ

‏(‏فحسبه مقدار نصف شهر إن يكن الدين يسير القدر‏)‏ كالدريهمات كما في المقدمات‏.‏

والحَبْسُ في تَوَسُّطِ شَهْرَان *** وضعفُ ذين في الخَطِير الشّانِ

‏(‏والحَبْسُ في توسط‏)‏ أي في المال المتوسط بين القلة والكثرة ‏(‏شهران وضعف دين‏)‏ وهو أربعة أشهر فيحبس ‏(‏في‏)‏ المال ‏(‏الخطير الشان‏)‏ ووجه ذلك أنه يحبس لاختبار حاله، فوجب أن يكون على قدر الحق الذي عليه ولم يذكروا للخطير حداً، ولعله يختلف باختلاف الناس قاله ‏(‏ت‏)‏ فإذا انقضى نصف الشهر أو الشهران في المتوسط أو الأربعة في الكثير سرح من السجن وخلي سبيله ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وأخرج المجهول إن طال حبسه بقدر الدين والشخص‏.‏

وَحَيْثُ جاءَ قبلُ بالْحميلِ *** بِالْوَجْهِ مَا لِلسِّجْنِ منْ سَبِيلِ

‏(‏وحيث جاء‏)‏ المجهول ومثله ظاهر الملاء ‏(‏قبل‏)‏ أي قبل حبسه ‏(‏بالحميل بالوجه‏)‏ وطلب التأجيل ليثبت عدمه ف ‏(‏ما للسجن من سبيل‏)‏ بل يؤجل، فإذا انقضى الأجل ولم يثبت ما ادعاه حبس حينئذ للاختبار كما أشرنا إليه أول التقرير ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وحبس لثبوت عسره إن جهل حاله ولم يسئل الصبر له بحميل بوجهه الخ‏.‏ وإنما يحبس في مجرد الدعوى بعد حلف المدعي أن ما ادعاه حق كما مر‏.‏ عند قوله‏:‏

وضامن الوجه على من انكرا *** دعوى امرىء خشية ان لا يحضرا الخ

وَسِلعةُ المِدْيان رهناً تُجْعَلُ *** وَبَيْعُهَا عليه لا يُعَجَّلُ

‏(‏وسلعة المديان‏)‏ يريد رب الدين تعجيل بيعها عليه وطلب ربها أن لا تفوت عليه وتوضع رهناً ويؤجل أياماً فينظر في الدين فإن ربها يجاب إلى ذلك، و‏(‏رهناً تجعل وبيعها عليه لا يعجل‏)‏ لما في التعجيل من الضرر به‏.‏

وَحَقُّهُ مَعْ ذَاكَ أنْ يُؤَخَّرَا *** بِحَسَب المالِ لِما القاضِي يَرَا

‏(‏وحقه مع ذاك‏)‏ أي مع جعلها رهناً ‏(‏أن يؤخرا‏)‏ أجلاً ‏(‏بحسب المال‏)‏ قلة أو كثرة ‏(‏لما القاضي يرى‏)‏ باجتهاده‏.‏ هذا الذي جرى به الحكم ومضى به العمل، وتدل عليه الروايات عن مالك وأصحابه قاله ابن رشد‏.‏ وتقدم أن هذه المسألة من تتمة القسم الثاني، بل لو استغنى به عنها لكفاه لأنه إذا كان يؤجل من غير رضاه بجعلها رهناً فأحرى مع رضاه بذلك‏.‏

تنبيه‏:‏

في نوازل البرزلي ما نصه‏:‏ كتب إلى شيوخ قرطبة فيمن عليه دين وله أصول مأمونة فسأل تأخيره حتى يبيع الأصول هل يعطى حميلاً بالوجه على ما يفتي به أهل طليطلة‏؟‏ فأجاب ابن عتاب‏:‏ يلزمه حميل بالمال كان له أصول أو لم يكن، وبه جرى العمل‏.‏ قال‏:‏ ويلزم الحميل ولو كان بيد الطالب رهن حتى ينصفه وهو مذهب الشيوخ، وأفتى ابن مالك إن كان المطلوب معروف العين ظاهر الملاء فلا أرى الحميل بالأمر اللازم اه‏.‏ وإلى الأول أشار ‏(‏خ‏)‏ بقوله‏:‏ وأجل لبيع عرضه إن أعطى حميلاً بالمال كما مر، وإنما نقلناه لما فيه من زيادة الفائدة وهي أنه يلزمه الضامن بالمال ولو كان بيد الطالب رهن وتأمله مع قوله بعد‏.‏ سئل سحنون عمن وجب عليه غرم مال‏؟‏ فقال‏:‏ هذا ربعي لم أجد من يشتريه فطلب منه الطالب حميلاً بالوجه فقال‏:‏ لا حميل عليه إذا بذل من نفسه ذلك ولم يتهم، فإن زعم الطالب أنه يقول للمشتري‏:‏ لا تشتري فإن الحاكم يشيده ثم يبيعه بالخيار رجاء الزيادة اه‏.‏ ولكن ما أفتى به ابن مالك وقاله سحنون هو الذي عليه عمل فاس قال ناظمه‏:‏

ومن بدين قد أقر بسجن *** إن لم يجىء برهن أو من يضمن

وإذا جعله رهناً وأشاده الحاكم للبيع بعد انقضاء ما أجله إليه فإنه يجري على قول ‏(‏ خ‏)‏‏:‏ وعجل بيع الحيوان واستوفى بعقاره كالشهرين الخ‏.‏ وقد تقدم أنه إذا انقضى الشهران يباع ولو لم يبلغ القيمة لأنه غاية المقدور، وكذا قال ابن رشد في بيع ربع اليتيم للنفقة عليه اه‏.‏

وَالحَبْسِ لِلْمُلِدِّ وَالمُتَّهَمْ *** إلى الأداءِ أَوْ ثُبُوتِ العَدَمْ

‏(‏والحبس للملد والمتهم‏)‏ يستمر ‏(‏إلى الأداء أو ثبوت العدم‏.‏

ولَيْسَ يُنْجِيه مِن اعتقالِ *** إلاَّ حميلٌ غارمٌ للمالِ

و‏)‏ إن وعد بقضاء ف ‏(‏ليس ينجيه من اعتقال‏.‏ إلا حميل غارم للمال‏)‏

هذا هو ظاهر الملاء المتقدم، وظاهره أنه لا بد له من حميل بالمال وعد بالقضاء أو سأل التأجيل لثبوت عسره، وهذا قول سحنون‏.‏ واقتصر عليه في المقدمات وابن سلمون، وتبعهما الناظم‏.‏ ولكن المشهور التفصيل بين أن يعد بالقضاء فيؤجل بالحميل بالمال اتفاقاً كما قال ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وإن وعد بالقضاء وسأل تأخيراً كاليوم أعطى حميلاً بالمال وبين أن يسأل التأجيل لثبوت عسره فبحميل بالوجه عند ابن القاسم وهو الراجح‏.‏ وقال سحنون بالمال أيضاً‏.‏ قال ابن سهل‏:‏ وأما من ظاهره الملاء ولم يعلم ملاؤه ولكن يتهم على إخفاء المال فقال سحنون وغيره‏:‏ يسجن حتى يتبين أمره‏.‏ قال سحنون‏:‏ ولا يؤخذ منه حميل بالوجه ولكن بالمال‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ يؤخذ منه الحميل، وفهموه على أنه يريد حميل الوجه، واختلف في قول ابن القاسم وسحنون فقيل خلاف، وقيل وفاق‏.‏ فيحمل قول سحنون على إنه كان ملداً ظاهر الملاء‏.‏ وقول ابن القاسم على غيره اه‏.‏ ونقله في التوضيح ودرج عليه في الشامل فقال‏:‏ ومن تفالس وظاهره الملاء سجن أيضاً ولو شهدت بينة بفقره إن لم تزك وحيث يقبل منه الحميل فهل بمال أو وجه‏؟‏ ورجح قولان وهل القولان على ظاهرهما أو الأول للملد والثاني لغيره‏؟‏ خلاف اه‏.‏ ابن رحال‏:‏ الراجح فيما يظهر لنا أنه وفاق بدليل اقتصار العبدوسي عليه اه‏.‏ وقد علمت من هذا أن الراجح قول ابن القاسم وإن كان في المقدمات اقتصر على قول سحنون وتبعه ابن سلمون والناظم وقرره ‏(‏م‏)‏ ومن تبعه على ظاهره، وقد علمت أيضاً أن هذا ليس قسماً زائداً على الأقسام المتقدمة، وأن جعلهم المجهول ينقسم إلى متهم وغيره غير سديد إذ لم يقله أحد لأن الملد المتهم غير المجهول إذ لا يحكم عليه باللدد والتهمة حتى يكون ظاهره يخالف دعواه وهو ظاهر الملاء حينئذ والله أعلم‏.‏ وبالجملة‏:‏ فالأقسام ثلاثة‏:‏ مجهول الحال، وظاهر الملاء وعنه عبر ابن رشد بالملد والمتهم، ومعلوم الملاء ويدخل فيه المعسر الذي له عروض كما مر التنبيه عليه، فإن كان ثابت العدم من أول الأمر كانت الأقسام أربعة، ولهذا كان الأولى للناظم حذف الأول من هذين البيتين ويذكر ثانيهما عقب قوله‏:‏ ولا يؤخر، ويحذف أيضاً قوله‏:‏ أو معسر لأنه داخل في قوله‏:‏ ومن على الأموال قد تقعدا الخ‏.‏ كما يحذف أيضاً قوله‏:‏

وَحَبْسُ مَنْ غَابَ عَلى المَالِ إلى *** أدَائِهِ أَوْ مَوْتِهِ مُعْتَقِلا

‏(‏وحبس من غاب على المال‏)‏ مستمر ‏(‏إلى أدائه أو موته معتقلا‏)‏ إذ هو معلوم الملاء‏.‏ وقد تقدم له حكمه، وبالجملة فقد وقع للناظم رحمه الله في هذه الأبيات الخمسة عشر مع الأبيات الثلاثة بعدها من التداخل والإطناب وعدم الترتيب والإخلال ببعض القيود ما لا يخفى، وقد كنت أصلحتها في هذه الأبيات ونصها‏:‏

ومن عليه الدين إما ظاهر *** أو مبهم في حاله أو موسر

فأول يسجن للأداء *** ما لم يكن وعد بالقضاء

فبحميل الوجه جاء ينظر *** عنهم بغير ذاك لا يؤخر

وإن يكن سأل للعدم الاجل *** فبحميل الوجه في القول الأجل

وحيث جاء الثاني بالحميل *** بالوجه ما للسجن من سبيل

وإن يكن عن الحميل عجزه *** فواجب بالسنة اختباره

فالدين إن كان يسير القدر *** فسجنه مقدار نصف شهر

والحبس في توسيطه شهران *** وضعف ذين في الخطير الشان

وثالث بالضرب والسجن حكم *** وعسره الثابت بعد كالعدم

إلا إذا أشهد بالذهاب *** للمال بالحرق والاغتصاب

وإن أتى بضامن فبالأدا *** حتى يؤدي ما عليه قعدا

وكل من سأل تأجيلا لما *** يبيع من عروضه ملتزما

فبحميل المال قد يؤجل *** بقدر دينه يكون الأجل

وقولنا‏:‏ وكل من سأل الخ‏.‏ يشمل معلوم الملاء وظاهره ومجهوله إذ بطلبه التأجيل للبيع علم ملاؤه‏.‏

وَغَيْرُ أهْلِ الوَفْرِ مَهْمَا قَصَدا *** تأْخِيرَهُ وَبالقَضَاءِ وَعَد

‏(‏وغير أهل الوفر‏)‏ وهو في اللغة المال الكثير، والمراد به هنا مطلق المال وغير أهله هو ظاهر الملاء ومجهوله ‏(‏مهما قصدا‏)‏ أي طلب ‏(‏تأخيره وبالقضاء وعدا‏.‏

مُكِّنَ مِنْ ذَاكَ بِضَامِنِ وإنْ *** لم يأتِ بالضَّامِنِ لِلْمَالِ سُجِنْ

مكن من ذاك بضامن‏)‏ بالمال ‏(‏وإن لم يأت بالضامن بالمال سجن‏)‏ كما مر في قول ‏(‏خ‏)‏ وإن وعد بقضاء وسأل تأخيراً كاليومين أعطى حميلاً بالمال وإلا سجن الخ‏.‏ وإنما أدخلنا في كلامه المجهول لأنه بوعده بالقضاء انتفى جهله‏.‏

وَمَنْ له وَفْرٌ فَلَيْسَ يُضْمَنُ *** فَإنْ قَضَى الْحَقَّ وَإلاَّ يُسْجَنُ

‏(‏ومن له وفر‏)‏ وهو معلوم الملاء المعروف بالناض ‏(‏فليس يضمن‏)‏ ولا يؤخر ‏(‏فإن قضى الحق‏)‏ الذي عليه بذلك الناض فذاك ‏(‏وإلا‏)‏ يقضه ‏(‏يسجن‏)‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وإن عرف بالناض لم يؤخر وضرب المرة بعد المرة‏.‏

وَأَوْجَبَ ابْنُ زَرْبٍ أَنْ يُحَلّفَا *** مَنْ كَانَ باكْتِسَابِ عَيْنٍ عُرفا

‏(‏وأوجب‏)‏ القاضي أبو بكر ‏(‏ابن زرب أن يحلفا من كان باكتساب عين عرفا‏)‏ وهم التجار لأن الغالب على أحوالهم حضور الناض، وتقدم عند قوله‏:‏ أو معسر الخ‏.‏ أن هذه اليمين جارية على إيمان التهم والمعروف توجهها من غير فرق بين تجار وغيرهم، وابن زرب توسط في ذلك فأوجبها على التجار دون غيرهم‏.‏

ومُحْمِلُ النَّاسِ عَلَى حال المَلاَ *** عَلَى الأَصَحِّ وَبِهِ الحُكْمُ خَلا

‏(‏ومحمل الناس على حال الملا‏)‏ ء فمن ادعى العدم فعليه إثباته ‏(‏على الأصح‏)‏ قاله ابن الحاج ‏(‏وبه الحكم‏)‏ والعمل ‏(‏خلا‏)‏ ومضى‏.‏ وهذا مما قدم فيه الغالب على الأصل لأن الإنسان يولد ولا شيء له لكن الغالب عليه التكسب وصفة الشهادة بالعدم أن يقولوا‏:‏ نعرف فلاناً المعرفة التامة ونشهد بأنه فقير عديم لا نعلم له مالاً ظاهراً ولا باطناً، فإن قطع الشهود وقالوا‏:‏ لا مال له ظاهراً ولا باطناً فقيل‏:‏ لا تجوز لأنها تحمل على ظاهرها من البت، وقيل تجوز وتحمل على العلم، فإن صرحوا بالبت والقطع لم تجز قولاً واحداً قاله ابن رشد‏.‏ وقد يغتفر للعوام التصريح بالقطع فيها قياساً على ما قيدوا به قول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ أو شهد وحلف‏.‏